مَن يَصنَع الإجابَة؟ المَعرِفَة في زَمَن ما بَعدَ الحَقيقَة والذَّكاء الاصطِناعيّ

اعتَدنا أن نَخوض البحث العلمي كَرحلةِ استكشاف كما لو أنّنا في رحلة للبَحث عن كَنز. نتتبّع الدّلالات، ونَقصد المكتَبات والمَراجع، وندقّق في الشّهادات والوثائق، ونُحاور الباحثين والكتّاب وأَصحاب الاختِصاص حتّى نَصِل إلى المَعلومَة فنتمكّن من إثباتها أو دَحضِها. خِلال هذه الرحلة، كنّا نُصادف أفكارًا وأَسئلة ومَعارف أُخرى قد ترتبطُ بموضوعنا أَو لا ترتَبط به، لكنّها كانت تُسهِم في تَشكيل فَهمِنا للعالَم وبِناء وعينا بالمَعرفة نفسها.

اليوم، مع ظهور أَدوات الذكاء الاصطناعيّ، انقلبَت المعادَلة إلى حدّ كَبير. أصبحَت الإجابة جاهزة وفوريّة، حتى إن سؤالًا بسيطًا قد يُنتج شرحًا مفصلًا ومنظَّمًا، بلغةٍ جذّابة توحي كأنّها تَعرف مسبَقًا ما نبحَث عنه. يبرز سؤال يتجاوَز التكنولوجيا ذاتها: هل ما زلنا نَبحث عن الحقيقة والدقّة، أَم أصبحنا أكثر انجذابًا إلى إجابات مُصاغة بإتقان ومتوافِقة مع ما َنرغب في سماعه؟ في زمن تتزايَد فيه قُدرة الآلات على إنتاج المعرفة وتشكيل الروايات، يُصبح هذا السؤال مَدخلًا لفهم العَلاقة بين الحقيقة والرّواية في عصرِ الذكاء الاصطناعي.

عندئذٍ يَتغيّر دورُ الباحث بين عَصر المَعرفة قَبل الذكاء الاصطناعي وعصر المَعرفة في ظلّ أَدَواته، في سياق ما يُمكن أن نُطلق عليه "ما بَعد الحقيقة". فقد كان الباحِث سابقًا يمارِس دورَه بوصفه مستكشفًا للمعرفة؛ يَجول بين المَراجع المختلفة، المكتوبة والشفويّة والبصرية وغيرها، ويتتبّع المَصادر، ويُقارن الرّوايات، ويَخوض تجربةَ البحث بكلّ ما فيها من جُهد وبُطء وتَفاعل مباشِر مع المادّة العلميّة. ويكتسب المعرفة عَبر رحلة طويلة تترُك أَثَرَها في طريقة التّفكير، وليس فقط في النّتيجة النهائية.

بينما تَحوّل جُزء كَبير من هذه الرحلة إلى إجابة جاهزة وسَريعة، يتغيّر دورُ الباحث من "مكتشِف" للمعلومة إلى "ناقد" لها بالدرجة الأولى، إذ لَم يَعُد التحدّي في الوصول إلى الإجابة، بل في فهمِها ومساءَلتها والتحقّق من سياقها ومصادِرِها.

ولا يَقتصر هذا التحوّل على شَكل المعرفة فقط، بل يَمتد إلى آليات عرضِها وتَقديمها. من هذه الزّاوية، يُمكن ملاحظة تَشابهٍ لافتٍ بين ما تفعلُه منصّات الذكاء الاصطناعي وما تقوم به وسائل التّواصل الاجتماعي. فكما تَقوم الأخيرة بترشيح المحتوى بناءً على ما نُتابعه ونَضغط عليه ونتفاَعل معه، تَعمَل بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي بطريقة مشابِهة، عبر بناء "صورة" افتراضية عن المستخدِم ثُمّ تقديم إجابات تتناسَب مع هذه الصورة

بهذا المَعنى، لا تَكون الإجابات مجرّد معلومات محايِدة، بل جزءًا من طريقة فهْم النّظام لنا. وهنا لا يَعود السّؤال متعلقًا بدقّة المعلومة فقط، بل بطبيعة "التّمثيل" الذي تَبنيه الخوارزمية عنّا.

قد تَبدو الخوارزميّات محايدَة لأنّها تتحدّث بلغة الأَرقام، لكنّ الأَرقام نفسها لا تَختار ما الذي يَجب قياسُه. هذا القَرار يتّخذُه البشَر. فكلّ خوارزميّة تُبنى على اختيارات مسبقَة: أيّ البيانات تُجمع؟ وأيّها تُهمل؟ وما الذي يُعطى أولويّة على حساب غيره؟

لذلك لا تَعمل الخوارزميّات كمرآة تَعكس الواقع فحسب، بل كعدسَة تُعيد ترتيب رؤيته. ومَع اتّساع نفوذها في تشكيل ما نَعرفه وما نراه، تُصبح جزءًا من الرواية السائِدة نفسها؛ الرواية التي يَملك أصحابها القُدرة على بناء الأَنظمة، ووضعِ قواعدها، وتَحديد ما يستحقّ الظّهور والتّداول.

تَقوم فكرة "رواية القويّ" على سُؤال بسيط: مَن الذي يملك حقّ سرد القصّة؟ فالمعرفة ليست صورة محايِدة للواقع، بل نِتاج ما يُسلَّط عليه الضوء وما يُترك في الظلّ. في الماضي، كان من يَملك سُلطة التّوثيق وكتابة التاريخ يَمتلك قدرة كبيرة على تشكيل الرواية التي تَصل إلى الناس. واليوم، ومع انتقال جزءٍ كبير من المعرفة إلى الفضاء الرقميّ، ظَهَرت أشكال جديدة من هذه السّلطة. فالشركات التي تَملك البيانات، وتَبني المنصّات، وتُصمم الخوارزميّات، لا تُحدد فقط كيف نَصل إلى المَعلومات، بل تؤثّر في أيّ المعلومات تَظهر أمامنا أصلًا.

لهذا لا تَأتي الإجابة التي نتلقّاها من السؤّال وحدهَ، بل تمّر عبر طَبَقات من الاختيارات التي تحدّد ما الذي يستحقّ الظّهور، وما الذي يُدفع إلى الهامِش، وما الذي قد لا نراه أبدًا.

لو نَظَرنا إلى هذا التحوّل في التّعليم، نَجد أنّه لم يَعُد مجرّد وسيلة لنقل المَعرفة أو اكتساب المَهارات، بل أَصبحَ مساحة لمقاومة معرفيّة ضدّ التّبسيط المفرِط الذي يُنتج الرواية الواحدة بوصفها حقيقة نهائيّة. ففي عصر ما بعد الحَقيقة، لا تَكمُن الخطورة فقط في تعدّد المعرفة أو كَثافتها، بل في الطريقة التي تُقدَّم بها، بحيث يمكن لتدفّق المعلومات أن يُنتج فهمًا أُحاديًا يبدو كأنّه حقيقة نهائية.

في السّياق الفلسطيني بشكل أكثرَ خصوصيّة، يكتسب هذا التحوّل بُعدًا حساسًا ومُركّبًا، إذ لا يتعلّق فقط بتغيّر أدوات المعرفة، بل بطبيعة السردياّت نفسها التي تُنتج الوعي وتُعيد تَشكيله باستمرار. فالروايات التاريخيّة والسياسية والثقافية ليست مجرّد خلفيّة معرفيّة، بل هي ساحَة صراع على المَعنى، تتداخَل فيها الذاكرة مع التّفسير، والواقع مع إعادَة الصياغة. فيصبح التّعليم النقديّ أكثر من مجرّد مَهارة أكاديمية، بل ضرورة وجوديّة لحماية الذاكرة الجَماعيّة من الاختزال أو التّشويه أو إِعادة الإنتاج غير الواعي.

ضِمن هذا التحّول، لا يكون التعليم النقديّ دعوة لرفض التكنولوجيا أو الانغلاق أَمامَ أدوات العصر، بل على العَكس، يُصبح فعلًا واعيًا لاستخدامها دون الوُقوع في فخّ التّسليم بمُخرجاتها بوصفها حقائقَ نهائيّة. فهو تَعليم يُعيد الاعتبار للسؤال بوصفه نقطةَ بداية لا تنتهي، وللشكّ بوصفه أداةَ فَهمٍ لا حالةَ ضَعف، وللتحقّق بوصفه ممارسة مستمرّة وليست خطوة عابرة. وهكذا يتحوّل التّعليم إلى مساحة يقظَة معرفيّة تُحافظ على الذاكرة الجَماعية حيّة.

والسؤال الأهم: في ظلّ ما تتعرّض له الرواية الفلسطينية والهوية الفلسطينية والمنهاج الفلسطيني من تَداول متزايِد، ومع انتقال الباحثين والمؤسَّسات وحتّى الطلبة إلى منصّات الذكاء الاصطناعي كمصدر معرفة، إلى أيّ مدى نحن منتبهون لما نبحَث عنه فعلًا؟ وما طبيعة الإجابات التي نَحصل عليها؟ من يَصنعَ مصدَرَها أصلًا؟

ندى الأشقر

خرّيجة هندسة كهربائية من جامعة بيرزيت، ومعلمة تكنولوجيا معلومات، ومدرّبة معتمدة في مجال التعليم الإلكتروني ومنصّاته. تعمل في مجال تَقاطُع التكنولوجيا والتربية، نحوَ تجربة تعلُّم أكثر تفاعليّة وإنسانية.

رأيك يهمنا