نساء غزة… بعد الإبادة

نساء غزة… بعد الإبادة

لم تنتهِ الحرب في حياة النساء الغزيات عند توقّف القصف أو انحسار أصوات الانفجارات؛ فثمة حرب أخرى بدأت ملامحها تتكشف في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تحاول النساء إعادة ترتيب ما تبقى من عائلاتهن، والبحث عن مأوى، وتأمين الطعام، والتعامل مع الفقد، وسط واقع لم يعد يشبه الحياة التي عرفنها قبل الإبادة.

لم يكن التغيير مجرّد انتقال من منزل إلى خيمة، بل امتد إلى أدوار النساء ومسؤولياتهن، بعدما فقدت كثيرات أزواجهن أو أبناءهن، أو أصبحن المعيلات الوحيدات لأسرهن.

وبين الحزن على من رحلوا والقلق على من بقوا، وجدت نساءٌ أنفسهن أمام مسؤوليات لم يخترنها، وفي ظروف لا تتيح لهن الحدّ الأدنى من الاستقرار.

تكشف الأرقام حجم هذا التحول، فوفق موجز لهيئة الأمم المتحدة للمرأة نُشر في سبتمبر/ أيلول 2026،[1] أصبحت نحو 86,290 أسرة في قطاع غزة ترأسها نساء؛ أي قرابة أسرة واحدة من كل أربع أسر، مقارنة بأسرة واحدة من كل تسع قبل الحرب، ولا تعني هذه الأرقام أن جميع النساء أرامل؛ إذ تضم أيضًا نساء غاب أزواجهن بسبب الفقد أو الاعتقال أو الإصابة الخطيرة، وأخريات أصبحن المسؤولات الرئيسات عن أسرهن.

بالنسبة إلى هؤلاء النساء، لا تتوقف المسؤولية عند رعاية الأطفال وتوفير الطعام، بل تشمل البحث عن مصدر دخل، وتأمين الدواء والمأوى، واتخاذ قرارات كانت تُتخذ سابقًا بالشراكة مع الزوج، علمًا أنه في ظل محدودية فرص العمل وتراجع الموارد، قد تتحول أبسط الاحتياجات اليومية إلى عبء يصعب تدبيره.

تزداد الصورة قسوة حين يتعلق الأمر بالسكن؛ إذ أفادت 68% من الأسر التي تعيلها نساء بأن احتياجاتها السكنية غير ملبّاة، كما أفادت 74% منها بتضرر منازلها أو تدميرها، وفق المصدر نفسه، وهكذا، لا تواجه المرأة مسؤولية إعالة أسرتها فحسب، بل تحاول أيضًا توفير مكان آمن لها في واقع يفتقر إلى الاستقرار.

أعباء تتجاوز القدرة على الاحتمال

في أماكن النزوح، تصبح تفاصيل الحياة اليومية اختبارًا مستمرًا لقدرة النساء على التحمل. فالحصول على المياه، وإعداد الطعام، وغسل الملابس، والعناية بالأطفال، والبحث عن مساحة آمنة للاغتسال أو تبديل الملابس، مهام تُنجز غالبًا في ظروف تفتقر إلى الخصوصية والخدمات الأساسية.

وتواجه الحوامل والأمهات المرضعات تحدّيات إضافية تتعلق بالغذاء والرعاية الصحية، فيما تحتاج النساء ذوات الإعاقة والمسنات واللواتي يعشن بمفردهن مع أطفالهن إلى دعم يتناسب مع ظروفهن الخاصة، لكن هذا الاحتياج لا يقابله دائمًا وصول كافٍ إلى الخدمات والمساعدات.

تشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 67% من الأسر التي تعيلها نساء تحتاج بصورة عاجلة إلى مساعدات نقدية لتغطية احتياجاتها اليومية، ويكشف ذلك أن المشكلة لا تقتصر على فقدان المعيل، بل تمتد إلى غياب الموارد التي تتيح للمرأة القيام بدورها الجديد دون أن تضطر إلى الاختيار بين الطعام والدواء أو بين احتياجاتها واحتياجات أطفالها.

الفقد الذي لا ينتهي

إلى جانب الأعباء المادية، تحمل النساء آثارًا نفسية لا تظهر دائمًا للآخرين، فالأم التي فقدت أبناءها، والزوجة التي فقدت شريك حياتها، والمرأة التي شهدت تدمير منزلها ونزوح أسرتها مرات متكررة، لا تستعيد حياتها تلقائيًا بمجرد توقف القصف.

تحاول بعض النساء إخفاء حزنهن حتى يتمكنّ من رعاية أطفالهن، فيما تتحمل أخريات مسؤولية الحفاظ على تماسك الأسرة، وكأن عليهن البقاء قويات طوال الوقت، حتى عندما يكنّ بحاجة إلى من يسندهن، وتزداد صعوبة التعافي حين يستمر القلق بشأن المأوى والدخل والغذاء، وتظل ذكريات الفقد حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.

مع ذلك، لا ينبغي اختزال النساء الغزيات في صورة الضحية وحدها، فقد واصلت معلمات وطبيبات وصحافيات وعاملات ومتطوعات أداء أدوارهن، وسعت نساء أخريات إلى إيجاد مصادر دخل محدودة لإعالة أسرهن، لكن قدرتهن على الصمود لا تعني أنهن لا يحتجن إلى الحماية والدعم، ولا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتركهن يواجهن الأعباء بمفردهن.

مسؤوليات جديدة وحقوق مؤجلة

دفعت الحرب نساءً كثيرات إلى تولي أدوار اقتصادية واجتماعية جديدة، لكن اتساع المسؤوليات لا يعني بالضرورة أنهن حصلن على استقلال أكبر، فقد تتحمل المرأة إعالة الأسرة، بينما تظل فرص العمل محدودة، وتقيّدها الأعراف الاجتماعية أو الظروف المادية، وتصبح قدرتها على اتخاذ القرار مرتبطة بتوافر المال والمأوى والمساعدة.

كما أن الفقر والنزوح وفقدان المسكن قد تحدّ من فرص النساء والفتيات في التعليم والعمل، وتزيد تعرضهن لمخاطر الاستغلال والعنف، لذلك، فإن الحديث عن واقع النساء بعد الإبادة لا يكتمل من دون ضمان الوصول إلى الرعاية الصحية والنفسية، والمساعدات النقدية، والسكن الآمن، وفرص كسب العيش، والحماية الاجتماعية.

ما تغيّر في حياة النساء الغزيات ليس أمرًا واحدًا، بل شبكة من الخسارات والمسؤوليات الجديدة، تتداخل فيها آثار الفقد مع ضيق الموارد وتبدل الأدوار وتراجع الإحساس بالأمان.

 وبينما تحاول النساء بناء حياة ممكنة وسط الركام، فإن مستقبلهن لن يتحدّد بقدرتهن على التحمل وحدها، بل بمدى توافر الحقوق والموارد والفرص التي تسمح لهن بالانتقال من مجرّد البقاء إلى استعادة الحياة.


المراجع:

[1] الإحصائيات المذكورة في المقال من تقرير لهيئة الأمم المتحدة للمرأة بعنوان:

Left to carry households alone: War and the rise of women-headed households in Gaza

https://www.un.org/unispal/document/left-to-carry-households-alone-war-and-the-rise-of-women-headed-households-in-gaza-un-women-invisible-no-more-brief-no-1-september-2026/?utm_source=chatgpt.com

الصورة: للصحفي معتز عزايزة.

ابتسام مهدي

ابتسام مهدي

صحافية مستقلة وكاتبة فلسطينية من قطاع غزة؛ حاصلة على شهادة في الصحافة من جامعة الأقصى.

رأيك يهمنا