"إيرانُ السّينَمائيّة": الصُورَة عِندَما تَخْلَعُ إِطارَها وَتَمْضي

في زمَنٍ تتشابَك فيه الروايات، وتُصاغ بعنايةٍ على أَيدي المُخرجين وكتّاب السيناريو، لَم تعُد السينما مجرّد وسيلَة تَرفيه، بل أصبَحَت أداةً فاعلة في تشكيل الوَعي العالمي، ورسمِ صورَة الشعوب كما “يُراد” لها أن تُرى. فمِن خلالها، تشكّلت أنماطٌ جاهزة اختزَلَت الإنسان في قوالب ضيّقة؛ فالعربي في كثيرٍ من الأفلام الغربية، لا سيّما الأمريكية، يظهر غاضبًا، متطرفًا، أو محاطًا بالعنف، بينما صُوّر الإفريقي في سياقاتٍ تقلّل من إنسانيته وتَضَعه في خانة التّهديد أو الفوضى. ولَم تَسلَم الجغرافيا من هذا الاختزال؛ إذ حُصرت بلادٌ بأكمَلها في صوَر الصحراء أو الحروب، وكأنّها خارجَ الزمن والحياة.
بهذا المَعنى، لم تكُن السينما بَريئة، بل أَسهَمَت في هندسَة الخَيال الجَمعي، وتَكريس سرديةٍ واحدة تُهيمِن على كيفيّة فَهْم “الآخر” ورؤيَتِه.
لكن، ماذا لَو قَرّر هذا "الآخَر" أَن يَروي قصّته بنفسه؟
عِند هذه النقطة تحديدًا، تتغيّر زاوية النّظر بالكامل، إذ لا تَعود السينما أداةً لإعادة إنتاج الصور النمطيّة، بل مساحةً لاستعادتها وتَفكيكها وإِعادَة بنائها من الداخل. وهنا تَبرز السينما الإيرانية بوصْفها واحدةً من أَكثر التجارب قدرةً على خَوض هذا التحوّل؛ تجربة لم تسعَ إلى الصّدام المباشر، بقدر ما اشتغلَت على التفاصيل، والهامش، والحياة اليومية، لتصنع منها مَدخلًا إلى أسئلة كُبرى. فالسينما الإيرانية اختارَت أن تَقول الكثير بالقليل، وأن تُناوِر داخل القُيود بدَل أن تنكَسِر أَمامها، واعتمدَت على الرّمز، وحضور الأطفال أحيانًا، والطبيعة أحيانًا أُخرى، لتفتَح نوافذَ واسعةً على قضايا الهوية والحرّية والمَعنى. إنّها سينما لا تَفرض خطابَها بصوتٍ عالٍ، بل تدعو المُشاهد إلى التأمّل، والمشارَكة في اكتشاف الدّلالات الكامنة خلفَ الصورة.
في محاولة لفهْم هذا العالم المركّب، يَبرز اسم حميد نفيسي، الذي لَم يَنظر إلى السينما الإيرانية كمُنتَجٍ فني فحسب، بل كوثيقةٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ وثقافيةٍ متكاملة. فمن خِلال عَمَله الموسوعي A Social History of Iranian Cinema (التاريخ الاجتماعي للسينما الإيرانية)، قدَّم قراءةً معمَّقة تَربِط بين تَحوّلات المجتمَع الإيراني وتحوّلات شاشَتِه.
يتتبّع نفيسي هذا المَسار عبر أربعة مُجلّدات، تبدَأ مِن نشأَة السينما في إيران وعلاقتها بالنُّخب والبَلاط، مرورًا بمرحلة ما قَبل الثورة الإيرانية 1979 حيث احتَدَم التوتّر بين الحداثة والتقاليد، وصولًا إلى ما بَعد الثورة، حين فُرضت قُيود جديدة، لكنّها دَفَعت في الوقت ذاته نَحو ابتكار أشكالِ تعبيرٍ أكثرَ رمزيّة وعمقًا. في امتداد هذا المسار، يبيّن كيف استطاعَت السينما الإيرانية أن تتجاوَز حُدودَها المحليّة، لتصبح صوتًا عالميًا يحمِل خصوصيّته إلى فَضاء إنساني أَرحَب.
هكذا، لا يقدّم نفيسي تاريخًا للسينما فحسب، بل يقدّم فهمًا أعمَق لكيف يمكن للفنّ أن يَزدهر حتى في أكثر البيئات تعقيدًا وعزلةً، وأن يحوّل القُيود إلى إمكانيّات، وأن يَروي بهدوءٍ لافت ما تَعجَز عنه أكثر الخِطابات صخبًا.
في النهاية، تَبدو السينما الإيرانية مثالًا حيًا على استعادَة الحكاية من يَدِ من صاغَها طويلًا، وعلى قُدرَة الفنّ على إِعادَة تعريف الشعوب بعيدًا عن ضجيج السّياسة وصُوَر الحَرب؛ فحين يتكلّم الفنّ بصِدق، لا يكتفي بمقاومَة الصورة، بل يُعيد خَلقَها مِن جديد.
بالامكان الاطّلاع على المجلدات الأربعة هنا.




