هذه ليست جولة أخرى: عن خطورة اللحظة وضرورة بناء القوّة

قرّرت لجنة الانتخابات المركزية في الأسبوع الماضي شطب جميع القوائم العربية المتنافسة في الانتخابات المقبلة، إلى جانب سامي أبو شحادة وعوفر كسيف. يحدث ذلك بالتّزامن مع  إحياء ذكرى هبّة القدس والأقصى، الرّاسخة في أذهاننا ووجداننا كفلسطينيّين، لدمويّتها أوّلًا، ولما حملته من تداعيات ودلالات على علاقتنا مع الدّولة.  

يختلف الحدثان طبعًا إلى حد كبير، ولا يجوز اختزالهما في تأطير واحد، أو اختزال كل ما حدث منذ عام 2000 وحتى اليوم في مسار واحد. إلّا أن وضعهما في مشهد واحد من شأنه أن يذهب بنا  للتفكير في أسئلة مهمة: ماذا تغيّر فعلًا في علاقة الدولة بمواطنيها الفلسطينيين خلال هذه السنوات، وماذا بقي ثابتًا؟ ماذا تريد منّا الدّولة وماذا نريد منها؟ ما هو دورنا في التأثير على الواقع السياسي حتى في ظل حيّز آخذ بالانكماش؟ 

في لحظات الأزمة الكبرى تصبح علاقات القوّة أكثر وضوحًا. في أكتوبر 2000 ظهرت هذه العلاقة بأقسى أشكالها، عندما واجهت الدولة احتجاج المواطنين العرب بالرصاص، فقتلت قوّاتها 13 مواطنًا فلسطينيًا. واليوم نراها في مشهد آخر: ممثلو الأحزاب اليهودية، من اليمين إلى اليسار، يُجْمِعون على قرار يُخرج مرشّحًا عربيًا خارج المنافسة الانتخابية، بكلمات أخرى: إجماعٌ على الإقصاء.

لكن المقارنة مع أكتوبر 2000 يجب ألّا تدفعنا إلى الاطمئنان إلى أننا أمام جولة أخرى من مسار عرفناه سابقًا وسنعبره كما عبرنا غيره. الاعتراف بأن الماضي كان قاسيًا لا يعني أن القادم لا يمكن أن يكون أكثر قسوةً. نحن نعيش اليوم لحظات مختلفة في خطورتها: فالأفكار والقوى العنصرية والفاشية التي تواجدت في مراحل سابقة على هوامش السياسة الإسرائيلية، أصبحت اليومَ جزءًا من مركز صنع القرار، والخطاب الذي كان يُعتبر متطرّفًا أصبح أكثر شرعية وحضورًا. ان تداعيات هذه التحوّلات لا تقتصر على حقوقنا ومكانتنا كمواطنين فحسب، بل تطال الشعب الفلسطيني بكافّة مكوّناته وأماكن تواجده، وتؤثّر على مستقبل المنطقة برمّتها. 

ولا شكّ أن المشكلة في علاقة الدولة بمواطنيها الفلسطينيين لم تبدأ في أكتوبر 2000 ولن تنتهي مع قرار لجنة الانتخابات. المشكلة تتجلّى بشكل أكثر وضوحًا وبروزًا في أحداث دراماتيكية كهذه، إلا أنها تظلّ حاضرة في حياتنا طيلة الوقت، وإن تغيّرت أدواتها وأشكالها: في هدم البيوت واحتكار الحيّز العام؛ في الجريمة المستفحلة وفي تقاعس الدولة عن توفير أبسط الحقوق كالأمان الشخصي؛ في الفجوات في التخطيط والبنى التحتية والموارد؛ وفي المحاولات المتكرّرة لتقليص الميزانيات المخصّصة لتطوير مجتمعنا وبلداتنا.

وهي حاضرة أيضًا في منعنا وتقويض قدرتنا كمواطنين فلسطينيين على التأثير بشكل حقيقي على سياسات تمسّ شعبنا مباشرة: أمام الإبادة في غزة، وأمام الاعتداءات واستفحال الاستيطان وارهابه المتصاعد في الضفة الغربية. 

إلّا أن هذا كله لا يعني أن العمل السياسي العربي كان بلا جدوى. فالعكس صحيح.

لقد أثبتنا بأنفسنا أن بناء قوّة سياسية عربية منظّمة – داخل أروقة الكنيست وخارجها – من شأنه أن يغيّر الواقع، حتى ضمن حدود المواطنة غير المتكافئة. فقد أثبتت تجارب الهيئات التمثيلية لمجتمعنا – لجنة المتابعة واللجنة القطرية – ادّعائنا هذا خلال سنوات النضال الطويلة، من يوم الأرض، مرورًا بالتصّدي لقانون برافر وحتى النضالات المستمرّة من أجل تحصيل الحقوق وتقليص الفجوات بأدوات شعبيّة وقانونيّة. ولا شك أن العمل البرلماني في سنوات سابقة أثبتت فاعليّته أيضًا: في عام 2015، شكّل إنشاء قائمة مشتركة قوية، ذات وزن سياسيّ لا يمكن تجاهله، أحد العوامل التي دفعت نحو إقرار الخطة الحكومية 922، أوّل خطة خماسية حكومية واسعة للتطوير الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع العربي. لم تحقق الخطةُ المساواةَ، ولم تغيّر بنيةَ العلاقة بين الدولة والمواطنين العرب، لكنها نقلت موارد بمليارات الشواقل وغيّرت، ولو جزئيًا، من سياسات حكومية استمرت لعقود، بما يخدم مصلحة المواطنين العرب ويخفّف من ثقل أعبائهم اليومية.

هذه التجربة بالذّات مهمة في سياقنا الرّاهن اليوم على وجه الخصوص. فهي تذكّرنا بأن القوّة السياسية ليست شعارًا، وأن التمثيل ليس مسألة رمزية فقط. حين يكون للمجتمع العربي قوّة سياسية منظّمة – شعبية أو برلمانية، ويا حبّذا لو اجتمعت الاثنتان – يصبح أكثر قدرة على فرض قضاياه على جدول الأعمال، وعلى انتزاع الموارد والحقوق، وأيضًا على التأثير في القرارات التي تحدّد حياته ومستقبله، بينما سياسة الانكماش والانسحاب تترك حيّزًا أوسع للهيمنة والفوقية اليهودية ولتضييق الحيّز السياسي وبالتّالي قدراتها على التأثير والتغيير.

وهذا بالضبط ما يجعل اللحظة الحالية حاسمة، مفصليّة وذات أهميّة تاريخيّة. نحن لا نقف فقط أمام خطر خسارة إنجازات حققناها في العقود الماضية، بل أمام صراع على شكل المرحلة المقبلة: على حدود مواطنتنا، وعلى مساحة عملنا السياسي، وعلى قدرتنا على التأثير في مستقبلنا ومستقبل شعبنا. التاريخ لا يتحرّك دائمًا إلى الأمام، والحقوق التي تحققت بعد نضالات طويلة يمكن أن تتراجع، والمؤسسات الديمقراطية يمكن أن تُفرَّغ من مضمونها. وما نفعله، أو لا نفعله، في لحظات كهذه قد يحدّد إلى حد كبير الواقع الذي سنعيشه في السنوات والعقود المقبلة.

ومن هنا، لا يمكن قراءة ما جرى في لجنة الانتخابات فقط كسلسلة من قرارات قانونية منفصلة. شطب جميع القوائم العربية هو ذروة لمسار متواصل من نزع الشرعية عن العمل السياسي العربي وعن ممثليه. وحين يترافق ذلك مع خطاب يشكّك باستمرار في ولاء المواطنين العرب، ويطالب ممثليهم مرة تلو الأخرى بالتبرير والإدانة وإثبات استحقاقهم للمشاركة السياسية، يصبح السؤال أكبر من مصير قائمة أو مرشّح.

حتى إذا ألغت المحكمة العليا معظم أو حتى كل قرارات الشطب، كما حدث في جولات انتخابية سابقة، لا يجوز التعامل مع ما جرى وكأنه مسرحية انتخابية ستنتهي بحكم قضائي. فعملية نزع الشرعية نفسها تترك أثرًا بالغًا: تعمّق الإحساس بعدم الجدوى، تضعف وتزعزع الثقة بالعمل السياسي وتدفع بالناس إلى الابتعاد عن صناديق الاقتراع وعن الحيّز العام، أي أنّها تقوّض ثقة المواطن العربيّ بالمكان الذي يحيا به، من منظومات سياسيّة حاكمة وحتّى الحيّز العامّ الذي يصير يشكّل تهديدًا ونفورًا وإقصاً.

وربما هذا هو أحد أخطر وجوه الإقصاء: ليس فقط أن يمنع قائمة من خوض الانتخابات، بل أن ينجح في إقناعنا نحن بأن مشاركتنا بلا جدوى.

وهنا تصبح مسؤوليتنا أكبر أيضًا. فالردّ على مرحلة تتّسع فيها العنصرية والفاشية لا يمكن أن يكون انتظار أن تمرّ العاصفة، ولا التسليم بأن قدرتنا على التأثير قد انتهت. إذا كانت هذه لحظة يُعاد فيها رسم حدود الممكن سياسيًا، فعلينا أن نكون طرفًا في رسمها. وهذا يتطلّب إعادة بناء القوّة السياسية والشعبية والأهلية، وتطوير أدوات تنظيم جديدة، وربط النضال على حقوقنا اليومية – في الأمن والمسكن والأرض والميزانيات – بالنضال على مكانتنا السياسية وعلى قدرتنا على التأثير في مستقبل البلاد والمنطقة.

ذكرى أكتوبر ليست فقط مناسبة لاستعادة ما حدث قبل 26 عامًا، ولا ينبغي أن تتحول إلى عدسة تجعلنا نقرأ الحاضر بوصفه تكرارًا للماضي. ربما تكون مهمتها اليوم أن تذكّرنا بشيء آخر أيضًا: أن التاريخ مفتوح على أكثر من احتمال، وأن القادم ليس محكومًا بأن يكون أفضل. في لحظات التحول الكبرى يمكن أن تتراجع الحقوق وتتعمق الهيمنة، لكن يمكن أيضًا أن تتكوّن قوى جديدة قادرة على تغيير المسار. السؤال ليس فقط ماذا سيحدث لنا في المرحلة المقبلة، بل ما الدور الذي سنأخذه نحن في تشكيلها وصياغة هويّاتها المختلفة.

فالحقوق التي لا تسندها قوّة سياسية ومدنية تبقى هشّة، والإقصاء، مهما تغيّرت أشكاله، لا يُواجَه بالانسحاب من الحيّز السياسي، بل ببناء قدرة أكبر على الحضور فيه والتأثير عليه وتغييره.

رغد جرايسي

مديرة عامّة شريكة لجمعيّة سيكوي-أُفق.

رأيك يهمنا