الانتخابات في زمن الإبادة: لماذا نصوّت، وعلى ماذا نصوّت؟

"إن الشعب الذي يضع امتيازاته فوق مبادئه سرعان ما يفقد كليهما".
السياسي دوايت ديفيد أيزنهاور
لا تخفى على أحد صعوبة المرحلة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني في كلّ أماكن تواجده، ومنها ما نعايشه كفلسطينيين في مناطق الـ ٤٨، حيث بات الشعور بالخطر وانعدام الأمان يشملنا أفرادًا ومجتمعًا، ويطغى على ممارستنا اليومية للحياة والسياسة، لدرجة أن أصابنا العجز في مقتلٍ في السنوات الأخيرة التي عشنا خلالها عدة حروب؛ حروب كلها ما زالت قائمة، ولكلّ منها أبعاد استراتيجية لم يتكشّف منها إلّا القليل. تأتي الانتخابات الإسرائيلية في غمار هذه المعمعة تحديدًا، ومعها يعود إلى الواجهة سؤال مهم جدًا مهما بُذلت المحاولات لتجاوزه، وهو سؤال المشاركة أم المقاطعة، ومعه نرى لدى البعض تغيّرًا في المواقف وتحديدًا لدى فئة معينة من المقاطِعين تتذرع بخطورة المرحلة وضرورة المراجعة، وكأن المراجعة حكر على طرف دون الآخر.
بداية، وجب القول إن المراجعة والتقييم والنقد والنقد الذاتي كلّها أدوات علمية وضرورة بقاء واستمرار، وليست ترفًا يتم التغنّي به للقفز بين موقف وآخر حسب الشعور الحالي والأريحية، وكونها كذلك فهي أيضًا بحاجة لضوابط ومعايير نقف عندها وننطلق منها، وتحديدًا إذا كانت المراجعة لموقف جوهري في صياغة كينونتنا القيمية والسياسية، وهكذا... كلّما اشتد السؤال الخاضع للمراجعة أهميةً تصبح المعايير أكثر صرامة كي لا نخطئ التقدير.
من أجل ماذا نصوّت؟
إذا استمزجنا خلاصة عناوين دعاة المشاركة في الانتخابات في السنوات الأخيرة -وتحديدًا منذ بادر ليبرمان إلى رفع نسبة الحسم- وصولًا إلى الانتخابات الحالية التي يجري التركيز على مصيريّتها، فمن الممكن تلخيصها بالشعار الآتي: تصويت عربي أكبر يعني حكومةً أقلّ يمينية؛ إذ يذهب البعض للمشاركة في حكومة إسرائيل (الموحدة) بينما "يكتفي" الآخرون بحمايتها من خارجها (المشتركة).
من أجل إنجاح هذه الفرضية وتثبيتها في الذهنية العامة يُغتصب العقل ويُلوى عنق المنطق، دون الاعتماد على معطيات أو عرض أي استنتاجات من تجارب الماضي، بل وتُغيَّب تمامًا الأسئلة التي قد ترشدنا إلى تبني موقف لا يبنى على استغلال مشاعر الناس، والاستفادة من أزمتهم وشعورهم بالعجز؛ تلك المشاعر التي خلّفتها أساسًا تكرار ممارسة النهج ذاته، ومن الأطراف ذاتها، ثم انتظار نتائج مختلفة. إنّ هذه الأسئلة المغيبة وإن كانت تظهر عند تبسيطها سياسية، إلا أنها تخبئ في طياتها أسئلة عقائدية وأخلاقية وفلسفية كبرى، لا بد من التطرّق إليها، لأن السياسة دونها تصبح مجرّد طغيان لا يخدم الناس إنما يستخدمهم. فلا يعقل مثلًا أن يغيب عن أيّ مراجعة سؤال الأثمان التي دفعناها في سبيل المشاركة، سواء على صعيد استخدام مشاركتنا كورقة توت تغطي عورة نظام فصل عنصري، وتُسَوّد وجهنا أمام العالم -وتحديدًا العربي والإسلامي- أو سؤال المسؤولية عند كل هدم بيت أو مقتل أي من أبناء شعبنا، ناهيك عن سؤال قيمة الكلمة في السياسة، حيث أصبحت الدعوة للخدمة المدنية وغيرها أمورًا مشروعة وتعبّر عن حكمة.
هل السياق مهم؟!
ينسى البعض ويتناسى أن الإطار العام الناظم للانتخابات هو الاعتراف المسبق بأن إسرائيل هي دولة اليهود، وبعد سن قانون القومية عام ٢٠١٨ أصبحت دولة اليهود حصرًا، وهذه هي القاعدة التي يجب أن يقبلها كل من يريد المشاركة بالترشح فيها، وهي سقف عمله السياسي الذي لا يمكن تجاوزه حتى لو مارس كل أنواع المناورات السياسية. وكتحصيل حاصل، وبسبب محدودية مساحة المناورة، أنتجت هذه المنظومة أحزابًا "قومية" تقول إن حق تقرير المصير لليهود في البلاد هو حق أخلاقي تعترف به، وأحزابًا إسلامية تقول على لسان قادتها إن إسرائيل خُلقت كي تكون وتُبنى كدولة يهودية؛ أي إننا أصبحنا ما بعد مرحلة الاعتراف الشكلي بأشواط، ولن أسهب هنا في معنى قبول هذا المنطق وخطورته على وجودنا كعرب فلسطينيين أصلانيين على اختلاف عقائدنا، وبالتالي على أدنى حقوقنا، فيما يضعنا قانون القومية في آخر مصاف الرعايا للحصول عليها: إن من يقبل بهذا الإطار العملي، لا يوجد الكثير لمناقشته معه، لأنه ببساطة يعترف بدونيته ويتقبلها، أما من يقول إنه لا يقبل، فلا يمكن أن يجد حلًا لهذه المعضلة الأخلاقية السياسية إلا بتضليل الناس كما يحصل حاليًا، أو فليأت بما يدحض هذا الادعاء من قوانين سنتها الكنيست.
هنا تجب الإشارة إلى أن السياق العام إذًا الذي تحاول القوائم المشاركة تأطير الصراع من خلاله هو استبدال حكومة سيئة بأخرى أقل سوءًا، مع تجاهل تام لطبيعة المجتمع الذي يفرز تلك الحكومات سنة تلو أخرى لتغيّب التناقض الرئيس، وتضعنا في أحسن الأحوال في خانة الباحثين عن بضع امتيازات، وليس عن حلول لمشاكل جذرية كلّها نابعة من كوننا عربًا فلسطينيين.
بناء عليه، وبما أن الادعاء المركزي للأحزاب التي اختارت المشاركة -كما أشرت في المقدمة- هو "تغيير اليمين" و"التأثير" وجب أن نتساءل: هل مشكلتنا هي فعلًا الحكومة الإسرائيلية الحالية أم أنها أعمق؟! وهل فعلًا تصويتنا هو ضمانة لتغيير اليمين، حتى لو افترضنا وجود يسار؟!
بداية، وتسهيلًا للتحليل، نبدأ بالشق الثاني من السؤال، من المهم مراجعة خارطة القوى بحسب استطلاعات الرأي في هذه الانتخابات، وأيضًا مقاربة الأرقام ومقارنتها مع جولات انتخابية سابقة، حيث أظهرت الاستطلاعات في شهر آب تقدمًا ملحوظًا لمعسكر التغيير الذي كان قريبًا من الـ٦٠ مقعدًا، بينما كان معسكر نتنياهو أقرب إلى الـ ٥٢ مقعدًا، في حين تراوحت قوة الأحزاب العربية حول الـ١٠ مقاعد، وبعد إنجاز القوائم لوحظت ظاهرتان هما: انخفاض قوة الليكود بسبب تحالفات في اليمين، وانخفاض مقاعد معسكر التغيير مقابل معسكر نتنياهو إلى ٥٢ مقابل ٥٤ عندما حصل العرب على حوالي ١٥ مقعدًا.
الاستنتاج إذًا: إن التحالفات قضمت من داخل المعسكرات إياها، ومع ارتفاع العرب هبط كل من "الديمقراطيين" و "ياحاد". إذًا الأرقام تثبت أن تصويتًا عربيًا أكبر لا يعني بالضرورة تراجع اليمين، بل قد يؤدي إلى فوزه! هذا دون التطرق إلى الاستنفار الذي سيخلفه تصويت مكثف لدى الطرف الآخر، ولا إلى سيناريو الوحدة الوطنية، خاصة أن هناك إجماعًا صهيونيًا على رفض الاعتماد على العرب! وهذا ما حصل عندما حصلت المشتركة على ١٥ مقعدًا لتقوم حكومة وحدة وطنية.
أما للإجابة عن الشق الأول من السؤال، فلا بد أن نتطرق لطبيعة الصراع وجوهره والخروج من القوقعة المتخيلة بسبب الضخّ الإعلامي الضخم، المدَعّم بالملايين، ومفاده أن الحكومة هي المشكلة، وأن ليبرمان وآيزنكوت وبينيت هم الحل، فيما الحقيقة أن العرب المشاركين في الكنيست كانوا غالبًا خارج دائرة التأثير، وضد الحكومة لأنها ببساطة دائمًا ضد العرب! وكي لا نكون عدميين في الطرح، من المهم الاعتراف أن هذه الحكومة كانت الأشرس ضد العرب عمومًا، لكن هل يعني استبدالها العودة بالعجلة إلى الوراء؟ وهل أصلًا هناك ما يدعو للظن أنها ستكون أفضل و"تعود إلى الوراء" بعد تصريحات قادتها بخصوصنا وخصوصًا مجمل القضايا التي تعنينا ومنها تصريحات تُعنى بتجنيدنا؟!
هناك مؤشرات عدة ممكن أن ترشدنا في هذه الجزئية، أهمها السياق التاريخي للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وجولة سريعة في رحاب الإنترنت لمراجعة المعطيات تدلّل أن الحكومات الإسرائيلية كلها منذ صعود نتنياهو الأخير على الأقل، أكثر عنصرية ويمينية ضد العرب في التصريح والممارسة، مثلًا كانت حكومة بينيت لبيد التي شاركت فيها "الموحدة" الأكثر هدمًا للبيوت واقتحاما للأقصى، وقتلًا لمواطنين عرب من خلال الشرطة إلى أن أتت هذه الحكومة.
الملاحظة هنا إذًا، أن هذه الحكومة تأتي ضمن السياق التاريخي الحاصل وليست عكسه، فهي وبدلاؤها الممثلون بآيرنكوت وشركائه، نتاج طبيعي لمرحلة في مشروع إحلالي استيطاني يتطور في نظريته التوسعية ويمارس حقيقته، ما يضعنا أمام خطر وتحدٍ حقيقي في مواجهة سيطرة التيارات الفاشية على العموم، وهذا الخطر لا تتم مواجهته بالمشاركة بانتخابات برلمان هذا المجتمع، بل على العكس تمامًا، هذه المشاركة تصبح مساهمة في تغطية عورته التي يراها كل العالم ويتحرك ضدها من جهة، وتعيقنا عن العمل في مسارات موازية تحمي وجودنا في أرضنا في ظل هذا التغول الحاصل من جهة أخرى.
نهايةً..
السؤال الأكبر من هل نقاطع أم نصوت؟ هو لماذا نقاطع أو نصوت؟ وكثيرًا ما يتم الحديث عن المقاطعة كبديل للتصويت، ما أرفضه في المطلق، فالبديل يكون منتجًا قريبًا من المطروح لكن يختلف عنه في بضعة معايير، أما المقاطعة فهي مسار مواز يطرح رؤية أخرى للصراع، أكثر نضجًا في قراءة جوهره كما سلف، مع أنها قد تكون أصعب وأعلى تكلفة، فطرح "المجتمع المدني" وتنظيمنا على أساس قومي كما طرحنا في أبناء البلد، أو "المجتمع العصامي" كما طرحت الحركة الإسلامية، يحتاج جهودًا جبارة في تنظيم قدراتنا وبناء نقاباتنا العمالية والطبية والعلمية، وانتخاب هيئات تمثيلية حقيقية، لكنه الأقدر على تحقيق تقدمٍ مرجو، وهو ما لا يمكن قوله عن تجربة القوى الكنيستية.
ولو لم يكن هذا كلّه، وتحديدًا في هذه الانتخابات، لكفانا القدرة على القول بوضوح إننا نرفض المشاركة سواءً فعليًا أو بواسطة تقديم دعم خارجي لحكومات تستهدف أبناء شعبنا ومقدساتنا وأطفالنا، كما نرفض المشاركة في تبييض هذه المؤسسة الظالمة، ما لن يتمكن من قوله من الآن فصاعدًا من يبني جل خططه على إعطاء غطاء لحكومة إسرائيل، ومن يتنازل عن حقه بوصفه صاحب بلاده، فقط كي يقبله برلمان الوطن القومي لليهود حصرًا بحسب قانون القومية.
إذا فالسجال هنا ليس في الحقيقة على المقاطعة والتصويت؛ هو معركة على الوعي أولًا وآخرًا، به ومن خلاله قد نحقق شيئًا، أما دونه فلا أمل.
الصورة: للزميل جواد العمري.




