القدس والانتخابات الإسرائيليّة.. بين غياب الصّوت ومُصادَرة المَصير

ربما تكون الانتخابات الإسرائيلية المقرَّرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2026 من أهم جولات الانتخابات إسرائيليًا وعربيًا، وبالطبع مقدسيًا، ارتباطًا بنتائجها المتوقعة، الأشد تأثيرًا على المدينة وسكانها الفلسطينيين. قانونًيا، تَعتبر إسرائيل الفلسطينيين الذين يعيشون في الشطر الشرقي من القدس التي احتلتها عام 1967، وضمتها لاحقًا، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي، مقيمين لهم حقّ السكن، وحقوق اقتصادية واجتماعية أخرى يدفعون مقابلها الضرائب للسلطات الإسرائيلية. كما لا يحقّ للفلسطينيين في القدس الشرقية، الذين يقدر عددهم بـ 450 ألف نسمة، الترشح أو التصويت في الانتخابات البرلمانية إلا في حال حصولهم على الجنسية الإسرائيلية، بينما يمكنهم الترشح لعضوية المجلس البلدي فقط دون الترشح لرئاسة البلدية.

في نظرة خاطفة على المشهد السياسي الإسرائيلي، بعد أن أُغلِقَ باب تقديم القوائم الانتخابية لانتخابات الكنيست الـ 26، يتبين أن 38 قائمة سُجلت للمنافسة فيها، جميعها باستثناء الكتل العربية، تتبنى موقفًا عدائيًا متشددًا من قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، وتلتزم في برامجها الانتخابية بفكرة رفض الدولة الفلسطينية، وتتعهد بمواصلة الاستيطان، واستخدام القوة العسكرية لردع الخصوم، لكنها تختلف فيما بينها في الوتيرة والأدوات.

وفق استطلاعات الرأي، لا يبدو أن أيًا من المعسكرين: الائتلاف أو المعارضة، يحظى، حتى اللحظة، بنسبةٍ حاسمة تُمكّنه من الفوز في الانتخابات وتشكيل حكومة مستقرة، إلا بالاتكاء على الأحزاب العربية، وهو ما ترفضه غالبية الأحزاب الصهيونية. لذا، فإن أحد الاحتمالات المُرجحة، أن تُضطر إسرائيل للدخول في دوامة جولاتٍ انتخابية متكررة بحثًا عن الحسم، مما يسمح لنتنياهو بالاستمرار في تصريف شؤون الدولة، واستكمال تنفيذ أجندته اليمينية المتطرفة في كل الأرض الفلسطينية، كما في خارجها.

لو افترضنا جدلًا حدوث تحولات في المزاج الإسرائيلي العام، فيما تبقى من وقت حتى موعد الانتخابات، تُفضي إلى إقصاء نتنياهو وائتلافه عن الحكم، أو على الأقل تشكيل حكومة وحدة وطنية يكون نتنياهو شريكًا فيها، فإن هذا لا يعني أن السياسات المتشددة تجاه الضفة والقطاع ومدينة القدس قد تتغير سريعًا، لاعتبارات مختلفة؛ أهمها أن المجتمع الإسرائيلي اليميني يرفض فكرة التنازلات والتسويات، وثانيها، وليس آخرها، أن نتنياهو قيّد خصومه بسقوف المواقف المتشدّدة التي خطّها في السيطرة العسكرية على الأرض، والاستيطان، وكذلك الموقف من القدس والمقدسات، وكلّ تفريعات الصراع العربي الإسرائيلي.

فيما يخص مدينة القدس، فإن نتائج الصندوق على الأرجح ستنعكس سلبًا على المدينة وسكانها العرب؛ حيث تمتد قرارات الحكومات الإسرائيلية لتطال الأرض والحركة والأمن والمستقبل، وكل مناحي الحياة. 

تاريخيًا، حظيت مدينة القدس وكتلة المُستعمَرات المحيطة بها، بأولوية عالية لدى قوى اليمين المُتطرف في حكومات الاحتلال المتعاقبة، ارتفع فيها منسوب الخطاب السياسي التوسّعي الاستيطاني لما تبقى من أرضٍ فلسطينية، في المدينة. فقبل أقل من ثلاثة أشهر على الانتخابات (المقررة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول)، دفعت الحكومة الإسرائيلية بثلاثةٍ من أبرز المشاريع الاستيطانية التي شهدتها القدس في السنوات الأخيرة، في مناطق أم طوبا وأم ليسون وغيلو، والتي تضم آلاف الوحدات الاستيطانية، وستؤدي إلى تعميق تفتيت الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المدينة، وتقويض فرص التوصل إلى أي تسوية سياسية مستقبلية.

كما أقرت الحكومة، على بُعد أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، إحياء مشروع "E1"  الاستيطاني عبر فتح باب العطاءات لبناء نحو 1200 وحدة استيطانية شرق القدس، أحد أكثر المخططات الاستيطانية إثارة للجدل، والذي يُعتبر جزءًا من المخطط الاستراتيجي للتوسّع الاستيطاني الإسرائيلي الذي يهدف إلى فرض السيطرة على القدس ومنع تأسيس دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

المؤكد أن ما جرى في عهد حكومة نتنياهو، في قضايا الاستيطان، وبالأخص في مدينة القدس، لم يكن سلسلة قرارات تخطيطية منفصلة، بل سياسة متكاملة تُنفذ في توقيت محسوب في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض تُعيد رسم المشهد في المدينة، وتعمّق فصلها عن الضفة الغربية، وتجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر صعوبة حتى مع تغيير النظام السياسي في إسرائيل.

نعم، قد تتغير هذه الحكومة، لكنها بالتأكيد تسابق الزمن لترك واقع سيكون من الصعب جدًا تغييره في المدينة المقدسة، فالانتخابات ستنتهي وتُفضي إلى ما تُفضي إليه، بينما تبقى البنية العمرانية الاستيطانية التي تُنشأ على الأرض عقودًا طويلة، مما يعني إنتاج واقع جغرافي طويل الأمد يصعب تغييره في أي مفاوضات سياسية مستقبلية. وكلّما توسعت الكتل الاستيطانية داخل القدس الشرقية ومحيطها، ازدادت صعوبة إعادة رسم حدود المدينة أو تحقيق تواصل جغرافي فلسطيني متماسك في إطار أيّ تسوية مستقبلية في ظلّ استمرار الصراع على مستقبل القدس ومكانتها السياسية.

من الناحية السياسية، يصعب فصل هذه الإجراءات عن اقتراب موعد انتخابات الكنيست، فالقدس والاستيطان يمثلان ملفّين شديدَيْ الحساسية داخل المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما لدى التيارات اليمينية والقومية والدينية. ومن ثم، فإن الإعلان عن مشاريع استيطانية جديدة أو تسريع إجراءات المصادقة عليها يمكن أن يُستخدم باعتباره رسالة انتخابية تؤكّد تمسّك الحكومة، كما جزء كبير من أحزاب المعارضة، بمواقف اليمين تجاه القدس والاستيطان.

في ظلّ اقتراب انتخابات الكنيست، تبدو القدس مرّة أخرى ساحة يتقاطع فيها الصراع السياسي الداخلي الإسرائيلي مع الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي على الأرض والهوية والسيادة، بما يجعل ملفّ الاستيطان أحد المؤشرات المهمة على اتجاهات السياسة الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة.

لا يختلف الأمر كثيرًا فيما يخص وضع المسجد الأقصى والمقدسات، فالأحزاب القومية والدينية لديها دوافع قوية لاستمالة القواعد المؤيدة لتوسيع نطاق الاقتحامات و"حقوق الصلاة" في ما تسميه إسرائيل "جبل الهيكل". وتزداد الأدلة التي تشير إلى أن أي حكومة إسرائيلية تتشكل ستسعى إلى المراكمة على ما فعلته الحكومة الحالية من تغيير للوضع التاريخي والقانوني القائم منذ عقود في المسجد الأقصى والحرم القدسي.

القناعة التي تتشكل اليوم لدى كثير من الأحزاب الإسرائيلية أنه يجب تسريع ضغط الإجراءات التهويدية، وتعزيز الجهود لإحداث تغييرٍ جوهري لمصلحة الرواية الاستعمارية الاستيطانية فيما يخص العلاقة بالقدس، كما يتبدى في مشهد الحرب الطاحنة الإجرامية على المدينة هدمًا وإبعادًا وتهجيرًا وتغييرًا لهوية المدينة ووجهها العربي الإسلامي، مع غياب أيّ ضوابط أخلاقية أو قانونية توقف هذا الانفلات الصهيوني.

يبدو أن القدس أمام مسار جديد "انقلابي" يتجاوز أنماط التعامل الإسرائيلي القديمة التدريجية، التي انتهجتها حكومات إسرائيلية سابقة، يهدف إلى المساس بالحقوق العربية الإسلامية والإضرار بها قدر الإمكان، عبر كسر حواجز ما اعتادت "إسرائيل" تسميته "المحافظة على الوضع القائم"، وعلى رأسها في المسجد الأقصى والقدس.

الواقع أن الخطر الذي تمثّله نتيجة الانتخابات القادمة في القدس، لا يكمن في الأهداف المختلفة التي أشرنا إليها أعلاه فحسب، بل في أن النظام السياسي القادم، أيًا يكن شكله، على الأرجح سيفعل أشياء لم يفعلها من سبقوه، وسيذهب أبعد من ذلك إن بقيت أجندته دون مواجهة وتعطيل. والأخطر أن ما فعله ائتلاف نتنياهو خلال حكمه يؤسّس للبناء عليه والانطلاق منه حتى وإن غاب بن غفير وسموتريتش وحزباهما عن المشهد السياسي الإسرائيلي مستقبلًا، فـ "إسرائيل" اعتادت أن تُراكم على ما تَحَقَق وأن تنطلق مما وصلت إليه وتثبّته كأمرٍ واقع في إطار صراعها مع الفلسطينيين في القدس وغيرها.


الصورة: للزميل طارق بكري.

محمد هلسة

 أكاديمي وباحث في الشأن الإسرائيلي، أستاذٌ غير متفرغ في جامعتي القدس وبيرزيت. 

رأيك يهمنا