قِراءات في النّزوح: حَياةٌ كأنّها "مُعَلّقَة"

كلمة العدد | أيار 2026
في كلّ مرّة نَستَخدِم فيها كلمة "نُزوح"، نَخون المعنى قليلًا. فالنّزوح ليس انتقالًا من مكان إلى آخر.
ليسَ حركةً بين جغرافيّتين، ولا حتى خسارةَ بيتٍ يمكنُ تعويضُه.
النّزوح هو أن تُقتلَع من سياقك، من إيقاعِ يومك، من تفاصيلك الصّغيرة التي كانت تُعرّفك دون أن تنتبه.
هو أن تصبح مؤقَّتًا… في كلّ شيء؛ في نومك، في علاقاتك، في لغتك، وحتى في ذاكرتك.
في فلسطين، وفي لبنان، وفي كلّ هذه الجغرافيا، المثقَلَة بالاقتلاع، لا يَنزَح الناس وحدهم. تنزَح الأشياء معهم: رائحة القهوة، مفاتيح البيوت، أسماء الشوارع، وحتى نبرة الصوت.
لكن ما لا ينزَح… هو الأَثَر... يبقى شيء ما عالقًا هناك. في الجدار الذي لم يُهدم بعد، في الشجرة التي تعرِف اسم صاحبها، في الطريق الذي لا يزال ينتظر خطواتٍ لن تعود قريبًا.
ليس النّزوح حدثًا عابرًا، إنّه حالة مستمرّة مِن العُلوق:
بينَ ما كان، وما لَم يَعُد ممكنًا، وما نُحاول أن نُقنع أنفسنا بأنّه سيعود.
لا جُدران للخَيمة كي يُسند عليها النازحُ ظهرَه، ولا جُدران كي يَدُقّها في لَهيبِ الصحاري وصقيع المنافي. كأنّ خَزان كنفاني في "رجال في الشمس"، واسعٌ بما يكفي للتعبير عن حالة فلسطين المزمِنَة. كما تَبقى الحكايةُ في النهايةِ وسيلةَ الضحيّة الشرعيّة والمُشرَعَة لدقّ الجُدران، وإعلاء الصّوت.
في هذا العدد من نشرة "سين48"، لا نحاول أن نُعرّف النزوح، نحاول فقط أن نقترب منه، أن نَسمَع صوته وهو يتشكّل داخل الناس، لا في نشرات الأخبار.
هذه ليست نصوصًا عن الجغرافيا، بل عن الإنسان حيَن يُجبر على أن يُعيد تَعريف نفسه… بعيدًا عن كلّ ما كان يعرفه.
نختم القول، بأن ندعوكم لتقرؤوا وتتمعّنوا في صياغاتٍ بالغةِ التنوّع والعُمق لآلامِ نُزوحنا، وُقوفًا على رُكام شهرٍ يحمل أقسى ذكرى مرّت على شَعبنا.
تابعونا.


































